أحمد بن علي القلقشندي
79
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في قولك وعملك ، وابتغاء رضاه في مختلج خطراتك وفكرك ، واتباع طاعته في مخارج أمرك ونهيك ، وقابل ما أنعم به عليك ، وأحسن فيه إليك ، بالشكر الذي موقعه من النعمة موقع القرى من الضيف ، فإن وجده لم يذم ، وإن فقده لم يقم ، وامدد على من ولَّيت عليه من الخاصّة والعامّة ظلَّك ، ووطَّيء لهم كنفك واغمرهم بطولك ؛ وسسهم سياسة يكون بها صلاحهم مضمونا ، وحريمهم مصونا ، وبلادهم معمورة ، ومنافعهم موفورة ، وحلبهم دارّا ، وعيشهم رغدا ، وثغورهم مسدودة ، وأعاديهم مذودة ، ومسالكهم محميّة ، ومساكنهم مرعيّة ، ومرهم بالمعروف ، وانههم عن المنكر ، وابعثهم على الحسنات ، واكففهم عن السّيئات ؛ وساو في الحق بين شريفهم ومشروفهم ، وقويّهم وضعيفهم ، وقريبهم وغريبهم ؛ وملَّيّهم وذمّيّهم وقوّم سفهاءهم وجهّالهم ، وانف دعّارهم وخرّابهم ، وأكرم صلحاءهم وعلماءهم ، وشاور فضلاءهم وعقلاءهم ؛ وجالس أدنياءهم وأعلياءهم ، وأنلهم ( 1 ) مراتبهم ، ونزّلهم منازلهم ؛ وأرهم تمسّكك بالدين ليقتدوا بك فيه ، ورغبتك في الخير ليتقرّبوا إليك به ، وخذ الحقّ وأعطه ؛ وابسط العدل وقل به ، وادرإ الحدود بالشّبهات ، وأقمها ( 2 ) وأمضها بالبيّنات : لتكون الرغبة إليك في رغب ، والرّهبة منك في رهب ( 3 ) ؛ وبالجملة فاحمل الناس على كتاب اللَّه - جلّ وعز - وآدابه ، وسنة الرسول وما جاآ به ( 4 ) . واعلم أنّ أمير المؤمنين قد جعل كتابه هذا عهدا إليك ، وحجة لك وعليك ؛ وأنّ الأوامر والنواهي في العهود تكون كثيرة : وإنما قصّر فيه عن استيفائها ،
--> ( 1 ) في مآثر : « ورتّبهم » . ( 2 ) في مآثر : « واقمعها » . ( 3 ) في مآثر : « لتكون الرغبة إليك في رهب والرهبة منك في رغب » ولعلها الأصوب . ( 4 ) في الإنافة : « وما جا به » . وفي اللسان يمكن حذف الهمزة من جاء . فقد حكى سيبويه عن بعض العرب : « هو يجيك بحذف الهمزة » . وعن ابن جني : جايا لغة في جاءا ، وهو من البدليّ . وعبارة « اللَّه ورسوله جاءا به » من الصيغ غير المؤكدة لدينا ، إذ نسب فعل « جاء به » إلى اللَّه والرسول في آن . ( انظر اللسان : 1 / 51 - 52 ) .